الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
52
نفحات القرآن
وضعها اللَّه حكيمة وذات مصالح وأغراض وفلسفة معينة من جهة ، وأيضاً فإنّها تحذير لجميع المتخلفين عنها ، الذين يعلم اللَّه أعمالهم ونيّاتهم من جهة أخرى ، والأثر التربوي لهذا الاعتقاد بالنسبة للإنسان واضحٌ ، فمن البديهي أنّ الذي يعلم ويدرك بأنّ الأمر صادرٌ ممن أحاط علمه بجميع أسرار الوجود وكل ما يحتاجه الإنسان ، وكذلك يعلم أنّ من يراقبه عالم بكل شيء ، فمن البديهي أن لا يجيز لنفسه ارتكاب أدنى مخالفة . يعلَمُ نيّاتكم : تحدثت الآية الثانية عن اطلاع اللَّه سبحانه على نيّات البشر ، وعلى أسرار جميع موجودات عالم الوجود ، فقالت : « قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِى صُدُورِكُمْ أَو تُبدُوهُ يَعلَمْهُ اللَّهُ » . وكذلك : « وَيَعْلَمُ مَا فِى السَّماوَاتِ وَمَا فِى الأَرضِ » . فهذه الآية أيضاً تحذّر الناس من التهرّب من إنجاز وظائفهم ومسؤولياتهم باختلاق حُجج مختلفة ( كحجة التقيّة التي ورد ذكرها في الآية التي سبقتها ) ، لأنّ الذي يحاسبهم لا يعلم أسرارهم التي يضمرونها في قلوبهم وما في صدورهم فحسب ، بل يعلم جميع أسرار السماوات والأرض . ولقد ورد نفس هذا المفهوم والمعنى في سورة البقرة أيضاً ، لكنّه - سبحانه - قال هناك : « وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِى أنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ » . ( البقرة / 284 ) ومن المسُلم به هو أنّ المحاسبة فرع من العلم والاطلاع ، وتعبير ( صدور ) الذي ورد في الآية السابقة بمعنى النفوس بقرينة هذه الآية ، ثم أنّ وقوع القلب في الصدر ، ووجود علاقة وثيقة بين ضربات هذا القلب وبين بقاء الإنسان على قيد الحياة ، علاوة على أنّ أي تغيير نفسي يترك أثراً في القلب ، كان استعمال القرآن الكريم في آياته لكلمة ( القلب ) كناية عن الروح والنفس . وبتعبير آخر ، فإنّ أي انفعال نفسي وروحي يقع للإنسان ، من قبيل الميول والاغراض